القاضي عبد الجبار الهمذاني
323
المغني في أبواب التوحيد والعدل
لكان المعجز منعهم من ذلك ؛ لأنه الخارج عن العادة ، دون تمكنه ، صلى اللّه عليه وسلم ، مما فعله ؛ لأن ذلك معتاد ؛ ومن سلك هذا المسلك في القرآن يلزمه أن لا يجعل له مزية البتة ؛ على أن ذلك يبطل بعض القرآن ، لأنه تعالى قال قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ؛ ولو كان الوجه الّذي له تعذر عليهم ، المنع ، لم يصح ذلك ، لأنه لا يقال في الجماعة ، إذا امتنع عليها الشيء : إن بعضها يكون ظهيرا لبعض ؛ لأن المعاونة والمظاهرة إنما تمكن مع القدرة ، ولا تصح مع العجز والمنع ؛ وهذا يبين أنهم لو كانوا قادرين متمكنين لما أمكنهم أن يأتوا بمثله ، ولا يكون كذلك إلا لمزية القرآن . فأما قول من يقول : إنه تعالى ، صرف هممهم ودواعيهم عن المعارضة ؛ فلذلك صار القرآن معجزا ، فليس يخلو من أن يريد : أنهم لو لم تنصرف دواعيهم كان يمكنهم أن يأتوا بمثله ؛ أو يقول : كان لا يمكنهم ذلك . فإن قال : إن دواعيهم لو توفرت لكان ذلك لا يمكنهم ، فهو الّذي بيناه ، من حال القرآن . وإن قال : إن دواعيهم لو توفرت لأمكنهم أن يأتوا بمثله ، لكنهم صرفوا عن الدواعي ، وصرفت همهم عن ذلك ، واشتغلوا بالمحاربة . قيل له : ومن أين أنهم بهذه الصفة ، دون أن يكونوا عدلوا إلى المحاربة ، مع توفير الدواعي إلى مثله ، لو كان في مقدورهم ، لكنهم علموا أن ذلك لا يواتيهم ، وضاق به ذرعهم ؛ فعدلوا إلى الطريقة الممكنة لهم « 1 » .
--> ( 1 ) ساقطة من « ص » .